تجليات السحـروالفتنـة في ساحـة (جامع لفنا) بانوراما أنجزها عبده حقي من المغرب خاص بمجلة دبي الثقافية ليس غريبا أن تصنف شركة خدمات الإنترنت العالمية (ياهو) في نشرتها المعممة ليوم 13 مارس (آذار) 2011 ساحة (جامع لفنا) (بتسكين الفاء) (PLACE JAMAA LAFNA ) بمدينة مراكش المغربية من بين أشهرعشرساحات سياحية في العالم ، مضاهية بذلك الساحة الحمراء في موسكو وميدان بيكاديلي في لندن وسان بييرفي روما وتيان أنمين في بيكين وساحة تايمزسكويرفي نيويورك وغيرها . ولكي ندشن هذه الرحلة المراكشية إلى غرب الوطن العربي لابد من هذا السؤال / العتبة : كيف وبأية أسرارخبيئة إذن تستمد هذه الساحة الأسطورية كل هذا السحرالمغناطي حتى تزاحم أعتد الساحات العالمية ولتصبح هي (الأكورا) العربية في أبهى تجلياتها الثقافية الشعبية المتفردة ؟ فالبرغم من أن أعتق المدن التاريخية المغربية تتميزبساحاتها الفسيحة كساحة (بوجلود ) في فاس وساحة (الهديم) في مكناس فإن ساحة (جامع لفنا) في مراكش إستطاعت أن تنحث لها هذا الإسم العالمي الذي غالبا ماجعل إسم المغرب يقترن بمدينة مراكش خصوصا في التاريخ المشرقي منذ العصرالوسيط إلى حدود بداية القرن العشرين مع الإحتلال الفرنسي الذي حول العاصمة إلى الرباط ناسفا بسياسته الإمبريالية ذلك الإرتباط التاريخي الوثيق بعتاقة مراكش . كيف إذن إستطاعت هذه الساحرة العنيدة أن تجعل الزوارمن كل أنحاء العالم من اليابان شرقا حتى أمريكا غربا يشعرون فيها بالعودة إلى الجنة ؟ تقع (جامع لفنا) في قلب عاصمة الجنوب المغربي مدينة مراكش الحمراء وهي قد سميت حمراء لأن ملامح عمرانها التقليدي الواطئ أوالعصري الشاهق يتزيى بطلاء أحمرلاتقهره تقلبات الفصول الطبيعية بمكرطقسها المتحول . (جامع لفنا) هي بمثابة تلك الدالتا التي تصب فيها كل الروافد التقليدية والعصرية ، وإذا كان المثل الإيطالي يقول : (كل الطرق تؤدي إلى روما) فمن حق كل المغاربة اليوم أن يقولوا بكل فخر: كل الطرق تؤدي إلى (جامع لفنا). لقد إختلفت التأويلات التاريخية والشفوية حول تسميتها (جامع لفنا) ، كما تعددت البحوث الحفرية في الذاكرة المراكشية الجماعية لفض لغزهذا الإسم الأسطوري ... بيد أنه ولكي تحافظ على عذرية بهائها الأزلي أبت هذه الساحة إلا أن تبقى مثل الكنزالمرصود لايقوى على فك طلاسمه إنس ولاجان ولاحتى جبل (طوبقال) حارسها الأطلسي الأزلي ، ولاحتى شيخ الحكواتيين المزمن ولاسيدة العرافات المرابطات فيها ، بل إن حيرة هذا الإسم الملغزقد شغلت حتى الزواروالأدباء والمفكرين العرب والغربيين سواء منهم العابرين أوالذين آثروا الإقامة النهائية بها على العودة من حيث أتوا ... يقول الكاتب الألماني (كريستوف لايستن) (CHRISTOPH LEISTEN ) في آخرإصداراته الموسوم ب (مراكش جامع لفنا ) : لكن من أين هذا الإسم !؟ ماالفناء !؟ هل هو مجرد سوق قديم يعج بالسحرة والمشعوذين والباعة والحكائين وقارئي الغيب والغرباء واللصوص ؟ أم هومكان لمقطوعي الرؤوس في الزمن الغابرحيث هنا كانت تتم دحرجة رؤوس المجرمين عبرة لمن يعتبر؟ ويضيف (كريستوف لايستن) : قال لي أحد المراكشيين إن (الفنا) يعني الفضاء الواسع وقال لي آخرأن في هذه الساحة كان يقوم مسجد لم يتم بناؤه وكان هدمه أشبه عند أهل مراكش بالفناء أي نهاية العالم . ويقول ثالث : ساحة جامع لفنا هي من أشهرالأمكنة في العاصمة الحمراء ، وإن مايضفي عليها هذا الإشعاع العالمي هومجاورتها لصومعة (الكتبية) الشهيرة صنوة مئذنة (الخيرالدا) بإشبيلية الأندلسية ، وكأن الساحة هي عين الرحى التي تحوم حولها كل أطياف المدينة الحمراء في حركيتها الدؤوبة ليل نهار. لكن وبعد إستقراء العديد من الآراء يبدو أن إسمها مستوحى من الفناء أي النهاية ، بمعنى أنها وكما يردد ذلك العديد من العارفين بخبايا أسرارها العتيقة كانت قبل قرون ساحة لإعدام المارقين والزنادقة وقطاع الطرق ومما لاشك فيه قد يكون لهذا التفسيرنصيب وافرمن الحقيقة حيث أن هناك حكاية مشهورة تتردد في الأوساط الشعبية المراكشية عن الرأس المقطوع الذي كان يتحدث إلى الناس المتحلقين حوله في قلب الساحة . وبذلك تصير(جامع لفنا) مسرحا للأسراربامتياز.. مسرحا مشرعا على الأفق المبهم .. لاتقفل بوابته لاباليل ولابالنهار.. إنها أكبرركح مسرحي في العالم حيث تبلغ مساحتها150 مترا طولا و100 مترعرضا أي بمساحة تعادل ملعب لكرة القدم . كثيرا ماارتبط إسم ساحة (جامع لفنا) باسم الكاتب الإسباني (خوان غويتيسولو) الذي إختارمدينة مراكش منذ سبعينات القرن الماضي إقامته الأبدية ومن دون شك سوف تكون مثوى أخيرا له ، لقد فضل أن يستقربها ليتشرب ما إستطاع من تراثها الشفاهي والفرجوي ، ولن ينسى أهل مراكش وكل المثقفين المغاربة الفضل الذي لايقدربثمن لهذا الكاتب الإسباني على هذه الساحة ، فقد كان لصدى مقاله الذي نشربجريدة (لوموند ديبلوماتيك) عن ظاهرة (الحلقة 1) (بتسكين اللام) الأثرالكبيرعلى إعتماد ساحة (جامع لفنا) تراثا عالميا من طرف منظمة اليونيسكوسنة 2001 مما حفزمن جانب آخر(محافظ) مدينة مراكش وروادها وتجارها على تأسيس جمعية ثقافية بتكلفة 400 ألف درهم أي مايناهز40000 يورو لدعم جل فنون هذه الساحة وخصوصا فن الحلقة الحكواتية وفنون الفرجة الأخرى الراسخة فيها منذ عقود ، وهكذا تقررتقديم منح مالية شهرية لأغلب الحكواتيين لتشجيعهم على الإستمرارفي تقديم عروضهم اليومية وتطويرمهاراتهم وإبداعاتهم ولم لا تلقينها لأحفادهم وإنشاء معهد تكوين لهذا الغرض ... يقول خوان غويتيسولوفي تقديمه لكتاب (مراكش .. أسرارمعلنة ) المشترك بين الشاعرين المقيمين في مراكش ياسين عدنان وسعد سرحان : ("كيف السبيل إلى وصف ما أحدثه الفضاء؟" بهذا السؤال واجهني، منذ ثلاثين عاماً، ذلك العالمَ الصغير المدهش الذي يُحيلنا كلُّ حجر وكل شخص، بين ظهرانيه، على ماض يجترحه الخيال... على هذا السؤال يُجيبنا النص البالغ الجمال »مراكش: أسرار معلنة« لياسين عدنان وسعد سرحان. من خلال كلمات المؤلفَين تتحول حياة المدينة إلى نوع من الممارسة المشتركة للكتابة، وإلى فضاءٍ يمور بالجلبة والأصوات، وملكوتٍ لللااحتمال حيث نجد من الحقيقة ما يعادلها من الاختلاق. وإذ يتساءل السائر المتجول: "كيف نفتتح المدينة؟ وأي خريطة خرساء تستطيع أن تضم هذي الدروب وهذي الأزقة، هذي الساحات وهذي الأسواق التي تصرخ بكل ما أوتيت من أصوات الحياة؟". يجيب صاحبا الكتاب بعبارات دقيقة تتواشج قصيداً ينقل جهراً حكايا المدينة وأساطيرَها، وكذا الهيجان السديمي لأزقةٍ مَتاهيةِ الامتداد، حيث "تكاد بوصلة الوقت تُجنّ ويكاد موشورُها يَعشى".) في ساحة (جامع لفنا) تتنوع أغراض الحلقات بين حلقات مهنية وأخرى فنية إبداعية كالحلقة الحكواتية والحلقة التمثيلية التي تقدم عروضا كوميدية تلقائية ومرتجلة تدورفي الغالب حول علاقات غرامية تمتح رمزيتها من الترجيديا الإنسانية عن الفردوس المفقود وأدوارالشيطان في نكبة الطرد والهبوط وتماهيه مع حيل المرأة وأحابيلها وبين حكايات الشطاروالعيارين ومقالب جحا والمناوشات بين البدوالسذج واللصوص الحضرالحاذقين والحلقة الطبية الشعبية والحلقة البهلوانية وحلقة ترويض القردة والثعابين والزواحف وحلقة الألعاب السحرية ..إلخ يحف ساحة (جامع لفنا) أشهرالأسواق التقليدية التي تعتبربحق بورصة يومية نشيطة بامتيازلاتختلف في حركيتها عن أسواق دمشق وبغداد والقاهرة . إن سوقها (باب السمارين) يشكل المعبرالرئيسي للسياح ليتبضعوا التذكارات النادرة ومختلف تحف الصناعة التقليدية المغربية الزاخرة بتشكيلاتها الفنية التي لاحصرلإبداعاتها الحرفية والتي تعتمد في مادتها الخام على خشب العرعارالذي يجلبه الحرفيون من الغابات المحيطة بمدينة (الصويرة) الشاطئية ومن جلود الحيوانات وصفائح النحاس وألواح الرخام وصخورالغرانيت ومنسوجات الصوف والحرير...وهوعموما سوق يشكل معرضا حافلا بالبازارات التي تشبه مغارة (علي بابا) مفتوح دائما لعرض منتوجات الصناعات التقليدية القادمة من كل تخوم المملكة . ولكل سوق من الأسواق الأخرى تجارته الخاصة به ، كسوق (الغزل) المتخصص في تسويق المنسوجات الصوفية وسوق (البطانة) المتخصص في تسويق جلود الخرفان والماعزوالبقرالتي تصلح لصناعة الحقائب وحافظات النقود والمعاطف والأحزمة والنعال الصيفية الخفيفة والقبعات وسوق الزرابي المتخصص في تجارة الزرابي على إختلاف أنواعها المكناسية والفاسية والرباطية والأطلسية الأمازيغية والتي من دون شك تشتهربتنافسها عالميا مع الزرابي الإيرانية والتركية ... كما أن للساحة رجالها الصلحاء أيضا الذين يحرسونها بمهابة أضرحتهم ويغدقون عليها من كراماتهم وبركاتهم التي لم تنضب نفحاتها منذ قرون .. ورجالها سبعة ولذلك غالبا ماتسمى مراكش بمدينة (السبعة رجال) وللرقم سبعة طبعا دلالته وبعده الرمزي والروحي في الدين الإسلامي السني الذي يعتنقه كل المغاربة على إختلاف تركيبتهم الإجتماعية والإثنية والجغرافية ، ومما لاشك فيه أن لهذا المكون الرقمي في النسق الإعتقادي الإسلامي مثل (سبع سماوات وسبعة أيام والسبعة الذين يظلهم الله يوم لاظل إلا ظله وسبعة بحوروسبعة أبواب وسبع سنبلات وسبع بقرات وسبع ليال و..و..إلخ ) لهذا الرقم إمتداده المحدد في حصرعدد السادة الأولياء في سبعة وهم : القاضي عياض والإمام الجزولي والإمام السوهيلي وسيدي يوسف بن علي وسيدي عبدالعزيزالتباع وسيدي عبدالله الغزواني وأبوالعباس السبتي ولكل ولي من هؤلاء الأولياء السبعة زاويته أي فضاؤه الدعوي وخلوته النسكية والتعبدية التي يتردد إليها مريدوه وحواريوه ليستلهموا من كراماته ويتبركوا من أدعيته التي ــ ليس بينها وبين الله حجاب ـــ وجل هؤلاء الأولياء كان لهم الدورالكبيرفي الأحداث التاريخية التي عرفها المغرب في دعم السلاطين والدعاية الدينية والتزكية الروحية لهم بل من هذه الزوايا من شكلت النواة الأولى لتأسيس دولة من الدول التي حكمت المغرب مما يعني أنه كان لها وزنها ودورها الإستراتيجي في تاريخ المغرب العربي الكبيروشمال إفريقيا عموما . ولن تكتمل نشوة سياحتك في مراكش وتنقش صورها في ذاكرتك إذا لم تكن جولتك على دراجة أوعربة تجرها الخيول ، فمما لاشك فيه أن مايميزمدينة مراكش عن المدن المغربية العتيقة الأخرى هوهذه العشرات الآلاف من الدراجات الهوائية وهذه المئات من العربات التي تجرها الخيول (horse drawn carriage ) فهذه الوسائل قد أصبحت مكونا أساسيا في البنية الإجتماعية والحضارية المراكشية ، ففي كل شبرشبرأوداردارأوشارع شارع تجد إما دراجة هوائية أو نارية أوعربة تجرها الخيول ولعل من أبرزالظواهرالإجتماعية بها أنه ما إن يحصل الشاب أوالشابة المراكشية على راتبه الشهري الأول في العمل أوالوظيفة حتى يبادرإلى إقتناء دراجة بالتقسيط الشهري ترفعه إلى مقام المراكشيين الأقحاح من جهة ومن جهة ثانية تغنيه عن ركوب التاكسي أومعارك الأتوبيس اليومية ، أكثرمن هذا يمكن أن نقول أن هاتين الوسيلتين (الدراجة والعربة) قد صارتا جزءا من ملامح الهوية المراكشية لافرق في إمتطائها بين رجل وامرأة وهذا ما جعل من مراكش المدينة الوحيدة في العالم العربي التي يدب في شوارعها أكبرعدد من الدراجات الهوائية والبخارية وأول مدينة عربية أيضا تعبرشوارعها المئات من النساء على الدراجات سواء كن في زيهن العصري أوبجلبابهن . وإذا كانت مصرهبة النيل فيمكن القول من دون تردد أن مراكش هبة (جامع لفنا) ولقد كان لشهرة الساحة العالمية دورأساسي في إستقطاب إهتمام مشاهيرعالميين في جميع مجالات الفن والثقافة والسياسة والأعمال والرياضة والعديد منهم قد حجزوا لهم على مدارالسنة شرفاتهم الفندقية الجميلة المطلة على ساحة (جامع لفنا) وعلى جنائن النخيل الفسيحة والعرصات الغناء والبساتين والحدائق الفيحاء وأشهرها حديقة (الماجوريل) (JARDIN MAJORELLE ) التي شيدها الفنان التشكيلي الفرنسي جاك ماجوريل (1886 ــ 1961) سنة 1931 ثم تحولت سنة 1980 في ملك أشهرمصممي الأزياء في العالم (إيف سان لوران) (YVES SAINT-LAURENT ) والذي ووري جثمانه بها سنة 2002 . ومن بين أبرز أسماء هؤلاء المشاهيرالعالميين الذي إفتتنوا بمراكش وساحة (جامع لفنا) على الخصوص يكفي أن نسرد على سبيل الذكرلاالحصرالوزيرالأول البريطاني الأسبق ويستون تشيرشل بين( 1940 ــ 1945 ) والمخرج العالمي الشهيرألفريد هيتشكوك الذي صوربها جزءا من فيلمه (الرجل الذي يعرف أكثر) والممثل نيكولاكيدمان وكيت وينسليت وأوريتا وورك والممثل العالمي الشهيربراد بيت وزوجته أنجولينا جولي والرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك والرئيس الحالي نيكولاساركوزي وسيغولين روايال ودومينيك شتراوس ومجموعة الروك الغنائية العالمية الرولينغ ستون ونانسي عجرم وأخيرا أميرقطرالشيخ محمد بن خليفة آل ثاني الذي قضى بها إحتفالات أعياد السنة الميلادية الأخيرة 2011 . تلتئم إذن في هذه (الأكورا) المراكشية الباذخة كل مكونات الهوية المغربية ، بقزحيتها المتميزة وبتآصرفسيفسائها الذي يختزل في قامته التعدد في المغرب كملتقى للحضارات العربية ا |